عثمان يحيى / احمد محمد الطيب
19
مؤلفات ابن عربى تاريخُها وتصنيفُها
الإسلامي ؛ بل إلى تلك البصمات الخالدة التي تركها الشيخ على هذا الفكر ابتداء من القرن السابع الهجري وحتى أيامنا هذه . لقد كان فكر الشيخ فكرا متميزا لفت إليه أنظار علماء الإسلام من عرب ومن فرس ، وغيرهم ، ودفعهم إلى أن يتبنوا كثيرا من اصطلاحاته الفنية . ومن هنا كاد يكون من غير الممكن أن ندرس أي مفكر ميتافيزيقى لاحق على ابن عربى دون أن نرجع إليه أولا . ومن المدهش في هذا الصدد أن نجد تاريخ الأدب الصوفي نفسه يشهد على هذا التأثير الذي تحدثنا عنه ؛ فلقد نشأ ابتداء من عصر ابن عربى لون من ألوان الشعر يتغنى بالحب الإلهى انطلاقا من نظرية التجلي الإلهى في الموجودات وفي الأشياء ، وقد وصفت قلوب المحبين في هذا الشعر بالانجذاب وبالاستغراق في الشعور بوحدة الوجود المتعالية . وكان الشاعر من هؤلاء يتغنى بالحقيقة الأحدية ، أصل كل الموجودات ومصدرها وهي الحقيقة المطلقة التي أوجدت هذا العالم لا بفعل إيجاد منفصل أو مستقل عن الحقيقة ذاتها ، بل بسريان تلك الحقيقة المطلقة في الكون سريانا باطنيا وتجليها تجليا إلهيا . فالحق تعالى يتجلى في كل لحظة في صورة جديدة ، أو بعبارة أدق : في صور متعددة لا نهائية ، وبحيث لا نستطيع أن ندركه لا في الوجود الشئ الجزئي ولا في الوجود الكوني الكلّى . ولقد وصف هؤلاء الشعراء ، في لغة رائعة ، كيف أن اللّه تعالى أضاء بأشعة أنواره القاهرة الأكوان والأشياء ، وكيف أن أسماءه الحسنى أظهرت الأعيان الثابتة للموجودات حين كانت هذه الموجودات في عالم الامكان الخالص ، إنها الأعيان الأزلية التي تعكس الكمالات اللا نهائية لأسماء اللّه الحسنى ، مثلما تعكس المرآة صور الأشياء . وأمر واضح أن يبدو طابع الشيخ الأكبر مستعلنا في هذه الميتافيزيقا المتعالية التي شدا بها هؤلاء العارفون - في شتى ديار ولغات الإسلام - في صورة شعرية راقية . ومما جذب انتباهنا أيضا لهذه الدراسة ذلك الدوىّ الذي أحدثته مؤلفات الشيخ الأكبر في ربوع العالم الإسلامي منذ ظهورها وحتى يومنا هذا ، وهو دوىّ ربما كان يتوق إليه شاعر العربية الأكبر أبو الطيب المتنبي ويتمنى أن لو كانت له مثل هذه البطولة الخالدة .